Community Web Version Now Available
Sami
عندما تستخدم اليافطات التجارية والواح الزينكو بديلا للحمالات الطبية، فلتسكت كل الأصوات (غزة تحت البركان)

غزة 27/12/2008 (رامتان): تسمع اصواتا مختلطة لا تميز مصدر احدها.. ولا تسطيع تجنب آخر.. سيارات الاسعاف تختلط اصواتها مع ابواق السيارات الخصوصية المتواصلة، التي تطلق طالبة افساح الطريق في شوارع مكتظة، بينما الناس تتراكض في كل الاتجاهات.

وتختلط تلك الاصوات مع اصوات طائرات مقاتلة في الجو يتبعها صوت انفجارات على الأرض، تختلط هي بنداءات استغاثة من بين الركام او اناس في الشوارع يطلبون المساعدة، وآخرين يبحثون عن اقارب او اصدقاء، ينادون عليهم علهم يسمعون جوابا للنداء. كل هذه الأصوات (النغمات، ومع انها مؤثرة ولا تشعرك بالسعادة) تشكل سيمفونية الحرب الخالدة، التي لا تموت، ولا تتغير ولا تتبدل منذ بدء الحرب الأولى على الأرض. كل هذا الـتأليف للموسيقى البشعة جرى اليوم على أرض غزة، عندما اطلقت اسرائيل حملتها التي وصفتها بـ" البداية لإنهاء حكم حماس في غزة".أشاهد، في احد شوارع غزة،عشرات الجثث ممدة على الأرض. تم تغطيتها بشراشف بيضاء تنتظر من يتعرف عليها او دفنها سريعا او نقلها الى البرادات في المستشفيات المكتظة، ولا تسمع من المئات الذين تجمعوا سوى كلمات من مثل "الله اكبر" أو "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وتدرك بحسك الصحفي وبفطرتك، حتى إن كنت اجنبيا، أن هذه هي كلمات المواساة الوحيدة التي يطلقها الفلسطينيون في مثل هذه الأحداث التي عايشوها منذ عام 1948.للوهلة الأولى، وعلى شاشات التلفزيون ومن دون الصوت، وعندما ترى الركام والبيوت المهدمة والآيلة للسقوط في اية لحظة، نتيجة التصدع الواضح عليها، وعندما تشاهد بين هذه البيوت اناس تتراكض في كل الاتجاهاات وتنادي على بعضها البعض، قد يخطر على بالك ان هناك تسونامي في غزة.

ولكنك لا تشاهد عبر شاشات التلفاز ايضا، وعلى النيوز بار اعلانات عن هبة لانقاذ غزة من هذه التسونامي. ولا تسمع بأن الأمم المتحدة قد اعلنت، قطاع غزة المحاصر منذ اكثر من عامين، منطقة منكوبة. ولا تسمع بتداعي الدول الصديقة والعدوة ، كما هي العادة ولو من باب المجاملات، لتعلن ان هناك فرقا طبية ومعدات لإنقاذ المدنيين ومساعدة الشعب المنكوب. عدد القتلى، في غزة، قارب على ضرب رقم قياسي ( نحو مائتين قتيل في يوم واحد) بينما تجاوز عدد الجرحي ذلك الرقم..تنظر حولك مجددا.. فترى رجلا مصابا يحتض ابنه المصاب وكلاهما على الأرض. يطلب الأب المساعدة. ولكن المارين مسرعين بقربه، يتعاطفون معهما بعيونهم، ولكنها تقول له "إن جروحك وجروح ابنك خفيفة، كما تبدو لنا. هناك من هو أهم لإنقاذه". لا تستطيع ان تميز طبيعة الجرح الذي اصاب الرجل وابنه الذي يقل عمره عن عشرة اعوام، وان بدت لي جروحا بالغة في عرف الطب. لا اتوقف لفحص الرجل فأنا لست طبيبا او ممرضا في الميدان. ولكني أركض مع الآخرين حيث يذهبون. يتبعون مصادر الأصوات تحت الركام.

يصيح احدهم "هنا واحد ميت".. يندفعون نحو مصدر الصوت. تبدأ مجموعة لا تهتم لصوت الطائرات المزمجرة في السماء ولا صوت قذائفها المجلجلة على الأرض. ويبدأون بالحفر ورفع الركام بأيديهم واكفهم .. فليست هناك معدات. وهؤلاء ليسوا من الدفاع المدني. انهم مواطنون ابرياء، غير مسلحين، تماما كما كان هذا الشخص الميت تحت الركام.. يتنشلون جثته. وانت تقف مراقبا تدون ملاحظاتك. وعندما لا يجدون ما يحملونه عليه، يحضرو احدهم يافطة محل تجاري هدمته الغارة يضعونه عليها. ويجرون به. تتساءل بعيونك" ما هذا؟ ماذا تفعلون؟" يأتيك الجواب باللسان، وبعيون غاضبة ولكن لا تشعر باليأس " ماذا نفعل؟ نحن نرتجل. ففي هذه الظروف لا يمكننا الأنتظار. ثم ننتظر من؟ حتى أنت تكتب وتراقب، ولا تساعد في شيء".تهرب من اتهام او وسام. ولكن الى أين الى مجموعة أخرى تحمل جريحا قد لا يصل المستشفى حيا ولكنه يتأوه. يحملونه على لوح من الزينك كان سقفا لبيت من الطوب لعائلة فقيرة كما يبدو. المجموعة التي تحمل الجريح تتعرض ايديها للخدش والجرح من اطرف لوح الزينك الحادة وهم غير آبهين بذلك.

ويأتيك من احدهم جملة كأنها استكمالا لجملة المجموعة الأولى "عندما يستخدم شعب غزة الواح الزينكو واليافطات التجارية كحمالات طبية فلتسكت كل الأصوات"، تقف بلا حراك كصحفي. لا تجد ما تقول. لا يمكنك الا ان تتلاشى كما تتلاشى المجموعات التي تحمل الجثث والجرحى.. هم يتلاشون في الأزقة، وان تتلاشي امام ذاتك ومهنتك واخلاقك كإنسان.. وفي أذنيك تتردد الجملة ألأخيرة " عندما يستخدم شعب غزة الواح الزينكو واليافطات التجارية كحمالات طبية فلتسكت كل الأصوات".

 

 

 

 

Dec 28, 2008 12:28 AM
0
0
Comments · 0
No comments yet
Sami
Language Skills
Arabic, English, Hebrew
Learning Language
English, Hebrew